يوسف المرعشلي

1043

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

محبا للعلم مجبولا على التقوى والزهد . وبعد وفاة أبيه أتى إلى حلب وذلك في سنة 1275 ، وأقبل على الاشتغال وتحصيل العلم ، فقرأ النحو والصرف وفقه الشافعي وبعضا من تفسير البيضاوي على الشيخ الكبير الشيخ أحمد الترمانيني ولازمه مدة طويلة وكان جل تحصيله عليه ، وكان للشيخ عناية خاصة فيه لصلاحه وورعه ، وقرأ « المغني » و « الشفا » و « الشمائل » و « البخاري » ومعظم « مختصر السعد » على الشيخ عبد السلام الترمانيني ، و « الدر المختار » في الفقه الحنفي مع حاشية العلامة ابن عابدين علي الشيخ على القلعجي ، والطريقة المحمدية على الشيخ أحمد الزويتيني مفتي الحنفية ، وقرأ على الشيخ إسماعيل اللبابيدي ، والشيخ مصطفى مدرّس المدرسة العثمانية ، والشيخ أحمد الحجّار ، ودرس بنفسه كتابين من فقه الإمام مالك وكتابا في فقه الإمام أحمد بن حنبل ، وجاور في السيافية والإسماعيلية والقرناصية ، وأخيرا جاور في العثمانية وبقي فيها مدة طويلة يدرّس فيها الفقه الشافعي و « الصبان على الأشموني » في النحو وغير ذلك . وكان قلّ أن يخرج من هذه المدرسة ولا شغل له إلا إفادة الطلاب والتعبّد ، قليل الاختلاط بالناس ، ملازما لحجرته ، إذا رأيته من بعد تخال فيه سمة البساطة والغفلة وليس كذلك ، بل كان ذكيا نبيها لكنه يتغافل ، يدلك على ذكائه أنه كان حفظ القرآن عن ظهر قلب في شهر واحد في شهر رمضان كان يحفظ كل يوم جزء مع الإتقان ، وكان يحفظ متونا كثيرة ، وكان كثير الترنم بتائية الإمام السبكي ومنظومة الوعيظي ، وكان كثير التلاوة ، ولا يفتر كشيخه الشيخ أحمد الترمانيني عن قراءة فاتحة الكتاب وجعلها ورده . قانعا من الدنيا بالكفاف ، لا يمسك ذهبا ولا فضة ، متوكلا معروفا بكرم النفس وسماحة اليد ، يتحرى المال الحلال على قدر إمكانه ويصرفه على نفسه وإخوانه . ولد له ولد سماه باسم أبيه أحمد عاش تسع سنين ومات فاحتسبه ولم يعقب بعده ، وربما قصد للرقيا والكتابة ، وتظهر بركة نفسه وكتابته بإذن اللّه تعالى . وألّف حاشية حسنة مطولة على شرح العلامة السعد التفتازاني لمختصر الزنجاني في الصرف سماها « الفتح الرباني على شرح العلامة التفتازاني » في 280 صحيفة ، وعندي منها نسخة خطية ، ويوجد منها في الشهباء عدة نسخ . وله مؤلف آخر في علم المنطق سمّاه « فتح الوهاب على مغني الطلاب » في 170 صحيفة . وكان مربوع القامة إلى الطول أقرب ، بدينا وقورا ساكنا ، حسن الشيبة ، خشن الثياب ، يقتصر أيام الصيف على ثوب أبيض مفتوح الحبيب إلى أنصاف ساقيه على مقتضى السنة ، وبالجملة فإن سيما العلماء العاملين كانت بادية عليه ، يترآى ذلك لرائيه لأول نظرة . وكانت وفاته سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وثلاثين ، ودفن في تربة الجبيلة رحمه اللّه . الحطاب « * » ( 1304 - 1390 ه ) محمد بن أحمد بن محمد الحطاب الدكالي نزيل مدينة الجديدة وعالمها وخطيبها ومدرسها ومفتيها . قال ابن سودة : هذا الرجل أول من علّمني مبادئ الكتابة والرسم وسورا من القرآن الكريم ، لما ذهبت مع الجد العابد إلى مدينة الجديدة ، يوم كان قاضيا بها من عام خمسة وعشرين إلى عام ثلاثين وثلاثمائة وألف ، ولا أعرف كل أشياخ صاحب الترجمة ، وإنما أعرف منهم والده الشيخ أحمد الحطاب الدكالي المتوفى عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف ، والشيخ سعيد بن الهيبة الدكالي البوعزيزي ، والشيخ محمد - فتحا - الريفي المتوفى عام اثنين وستين وثلاثمائة وألف . تولّى المترجم التدريس بأحد المدارس بالجديدة مدة إلى أن ترك ذلك اختيارا ، وما زال بها على الخطابة والإفتاء إلى الآن عام خمسة وسبعين وثلاثمائة وألف ، ثم بلغني أنه توفي رحمه اللّه في عشرى قعدة عام تسعين وثلاثمائة وألف . وما نشرته جريدة الميثاق ( عدد 138 ) حول المترجم معظمه غير صحيح ، فأنا أعرف الفقيه الحطاب

--> ( * ) « سلّ النصال » لابن سودة ، ص : 210 .